فخر الدين الرازي

123

تفسير الرازي

الأول : أن الإيتاء يحتمل أن يكون واجباً وأن يكون تفضلاً ، وأما الإعطاء فإنه بالتفضل أشبه فقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * يعني هذه الخيرات الكثيرة وهي الإسلام والقرآن والنبوة والذكر الجميل في الدنيا والآخرة ، محض التفضل منا إليك وليس منه شيء على سبيل الاستحقاق والوجوب ، وفيه بشارة من وجهين أحدهما : أن الكريم إذا شرع في التربية على سبيل التفضل ، فالظاهر أنه لا يبطلها ، بل كان كل يوم يزيد فيها الثاني : أن ما يكون سبب الاستحقاق ، فإنه يتقدر بقدر الاستحقاق ، وفعل العبد متناه ، فيكون الاستحقاق الحاصل بسببه متناهياً ، أما التفضل فإنه نتيجة كرم الله غير متناه ، فيكون تفضله أيضاً غير متناه ، فلما دل قوله : * ( أعطيناك ) * على أنه تفضل لا استحقاق أشعر ذلك بالدوام والتزايد أبداً . فإن قيل : أليس قال : * ( آتيناك سبعاً من المثاني ) * ؟ قلنا : الجواب من وجهين الأول : أن الإعطاء يوجب التمليك ، والملك سبب الاختصاص ، والدليل عليه أنه لما قال سليمان : * ( هب لي ملكاً ) * فقال : * ( هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك ) * ولهذا السبب من حمل الكوثر على الحوض قال : الأمة تكون أضيافاً له ، أما الإيتاء فإنه لا يفيد الملك ، فلهذا قال في القرآن : * ( آتيناك ) * فإنه لا يجوز للنبي أن يكتم شيئاً منه الثاني : أن الشركة في القرآن شركة في العلوم ولا عيب فيها ، أما الشركة في النهر ، فهي شركة في الأعيان وهي عيب الوجه الثاني : في بيان أن الإعطاء أليق بهذا المقام من الإيتاء ، هو أن الإعطاء يستعمل في القليل والكثير ، قال الله تعالى : * ( وأعطى قليلاً وأكدى ) * أما الإيتاء ، فلا يستعمل إلا في الشيء العظيم ، قال الله تعالى : * ( وآتاه الله الملك ولقد آتينا داود منا فضلاً ) * والأتي السيل المنصب ، إذا ثبت هذا فقوله : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * يفيد تعظيم حال محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه أحدها : يعني هذا الحوض كالشئ القليل الحقير بالنسبة إلى ما هو مدخر لك من الدرجات العالية والمراتب الشريفة ، فهو يتضمن البشارة بأشياء هي أعظم من هذا المذكور وثانيها : أن الكوثر إشارة إلى الماء ، كأنه تعالى يقول : الماء في الدنيا دون الطعام ، فإذا كان نعيم الماء كوثراً ، فكيف سائر النعيم وثالثها : أن نعيم الماء إعطاء ونعيم الجنة إيتاء ورابعها : كأنه تعالى يقول : هذا الذي أعطيتك ، وإن كان كوثراً لكنه في حقك إعطاء لا إيتاء لأنه دون حقك ، وفي العادة أن المهدي إذا كان عظيماً فالهدية وإن كانت عظيمة ، إلا أنه يقال : إنها حقيرة أي هي حقيرة بالنسبة إلى عظمة المهدي له فكذا ههنا وخامسها : أن نقول : إنما قال فيما أعطاه من الكوثر أعطيناك لأنه دنيا ، والقرآن إيتاء لأنه دين وسادسها : كأنه يقول : جميع ما نلت مني عطية وإن كانت كوثراً إلا أن الأعظم من ذلك الكوثر أن تبقى مظفراً وخصمك أبتر ، فإنا أعطيناك بالتقدمة هذا الكوثر ، أما الذكر الباقي والظفر على العدو فلا يحسن إعطاؤه إلا بعد التقدمة بطاعة تحصل منك : * ( فصل لربك وانحر ) * أي فاعبد لي وسل الظفر بعد العبادة فإني أوجبت على كرمي أن بعد كل فريضة دعوة مستجابة ، كذا روى في الحديث المسند ، فحينئذ أستجيب فيصير